القاضي أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم

16

كتاب الخراج

به قدام أهل عملك لأنهم قوم خدع ، انظر إذا قدمت عليهم فلا تبيعنّ لهم كسوة شتاء ولا صيفا ، ولا رزقا يأكلونه ، ولا دابة يعملون عليها ، ولا تضربن أحدا منهم سوطا واحدا في درهم ، ولا تقمه على رجله في طلب درهم ، ولا تبع لاحد منهم عرضا في شيء من الخراج ، فانا انما أمرنا أن نأخذ منهم العفو . فان أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك اللّه به دونى وان بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك . قال قلت اذن أرجع إليك كما خرجت من عندك . قال : وان رجعت كما خرجت . قال فانطلقت فعملت بالذي أمرني به ، فرجعت ولم أتقص من الخراج شيئا قال أبو يوسف : وحدثني بعض أشياخنا عن محمد بن كعب القرظي قال : لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضى اللّه تعالى عنه بعث الىّ وأنا بالمدينة فقدمت عليه ، قال فلما دخلت عليه جعلت أنظر اليه نظرا لا أصرف نظري عنه تعجبا . فقال : يا ابن كعب انك لتنظر الىّ نظرا ما كنت تنظره الىّ قبل . قال قلت : تعجبا قال : وما عجبك ؟ قال قلت : ما حال من لونك ، ونحل من جسمك ، وعفا من شعرك . قال : فكيف لو رأيتني بعد ثلاث وقد دليت في حفرتي ، وسالت حدقتاى على وجنتى ، وسال منخراي صديدا ودما ، لكنت لي أشد نكرة ! قال : وحدثني بعض أشياخنا عن عمر بن ذر قال : لم تكن همة عمر بن عبد العزيز الا رد المظالم والقسم في الناس قال : وحدثني شيخ من أهل الشام قال : لما استخلف عمر بن عبد العزيز مكث شهرين مقبلا على بثه وحزنه لما ابتلى به من أمور الناس . ثم أخذ في النظر في أمورهم ورد المظالم إلى أهلها ، حتى كان همه بالناس أشد من همه بأمر نفسه ، فعمل بذلك حتى انقضى أجله رحمه اللّه تعالى . فلما هلك جاء الفقهاء إلى زوجته يعزونها ويذكرون عظم المصيبة التي أصيب بها أهل الاسلام لموته . فقالوا لها : أخبرينا عنه ، فان أعلم الناس بالرجل أهله قال فقالت : واللّه ما كان بأكثركم صلاة ولا صياما ، ولكن واللّه ما رأيت عبدا للّه كان أشد خوفا للّه من عمر . كان رحمه اللّه قد فرّغ بدنه ونفسه للناس فكان يقعد لحوائجهم يومه فإذا أمسى - وعليه بقية من حوائجهم -